محمد ابراهيم شادي
81
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ما يعرفه الجهّال ، ثم يمتاز بعض العلماء في المعرفة بها عن بعض ثم يبقى فيها سر الخلق مع كل ذلك مكتوما لا يعرف . ومن ذلك ما في أسلوب القرآن من رهبة لا تمويه في شئ منها ، فلا ترى إلا أثرا من التمكن وإلا روحا أكبر من أن يكون نفسا إنسانية وفي كل أغراضه مادة لتلك الرهبة ولذلك الأثر والروح " « 1 » ، وهذا الوجه عند الخطابي مدسوس في سياق حديثه الرائع عن صنيع القرار بالقلوب وتأثيره بالنفوس « 2 » ثم تردّد عند لاحقيه بطريقة أو بأخرى . - ومما نجد له بذورا وإشارات خفيفة عند القدماء لكن الرافعي أحسن تنميتها والإحساس بها ما سماه بمرونة التأويل بحيث لا يصادم القرآن الآراء الكثيرة المتقابلة التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة . . فقد فهمه عرب الجاهلية الذين لم يكن لهم إلا الفطرة ، وفهمه من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل العلوم ، وفهمه زعماء الفرق المختلفة إلى ضروب من التأويل ، وأثبتت العلوم الحديثة كثيرا من حقائقه التي كانت مغيّبة ، لكن ما عهد من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه ، بل هو كلما كان أدنى إلى البلاغة كان نصا في معناه ، وعندما يتحقق هذا يكون فصيحا بما تعين له من معنى ، وهذا المعنى محصور في الغرض الباعث عليه « 3 » . ويرجع تميز القرآن بتلك الميزة إلى أنه ليس صادرا عن طبع إنساني محدود بأحوال نفسية لا يتجاوزها ، فهو يداور المعاني ويريغ الأساليب ويخاطب الروح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه ، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا « 4 » . وهذا التعليل الأخير من بصمات الرافعي التي تذكر له ، فالقرآن يعطى لكل من يقرؤه بحسب استعداده ومستوى إدراكه ، لكن الإنسان مهما اتسع أفقه
--> ( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي 235 ( 2 ) بيان إعجاز القرآن للخطابي ( 3 ) إعجاز القرآن للرافعي 237 ( 4 ) المرجع نفسه والصفحة